محمد بن جرير الطبري

58

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أموالهم حقا لأَهل سهمان الصدقة ، ثم أمرهم تعالى ذكره أن يخرجوا من الطيب ، وهو الجيد من أموالهم ، الطيب ، وذلك أن أهل السهمان شركاء أرباب الأَموال في أموالهم بما وجب لهم فيها من الصدقة بعد وجوبها ، فلا شك أن كل شريكين في مال فلكل واحد منهما بقدر ملكه ، وليس لأَحدهما منع شريكه من حقه من الملك الذي هو فيه شريكه بإعطائه بمقدار حقه منه من غيره ، مما هو أردأ منه أو أحسن ، فكذلك المزكي ماله حرم الله عليه أن يعطي أهل السهمان مما وجب لهم في ماله من الطيب الجيد من الحق ، فصاروا فيه شركاء من الخبيث الرديء غيره ، ويمنعهم ما هو لهم من حقوقهم في الطيب من ماله الجيد ، كما لو كان مال رب المال رديئا كله غير جيد ، فوجبت فيه الزكاة وصار أهل سهمان الصدقة فيه شركاء بما أوجب الله لهم فيه لم يكن عليه أن يعطيهم الطيب الجيد من غير ماله الذي منه حقهم ، فقال تبارك وتعالى لأَرباب الأَموال : زكوا من جيد أموالكم الجيد ، ولا تيمموا الخبيث الرديء ، تعطونه أهل سهمان الصدقة ، وتمنعونهم الواجب لهم من الجيد الطيب في أموالكم ، ولستم بآخذي الرديء لأَنفسكم مكان الجيد الواجب لكم قبل من وجب لكم عليه ذلك من شركائكم وغرمائكم وغيرهم إلا عن إغماض منكم وهضم لهم وكراهة منكم لأَخذه . يقول : ولا تأتوا من الفعل إلى من وجب له في أموالكم حق ما لا ترضون من غيركم أن يأتيه إليكم في حقوقكم الواجبة لكم في أموالهم ؛ فأما إذا تطوع الرجل بصدقة غير مفروضة فإني وإن كرهت له أن يعطي فيها إلا أجود ماله وأطيبه ؛ لأَن الله عز وجل أحق من تقرب إليه بأكرم الأَموال وأطيبها ، والصدقة قربان المؤمن ، فلست أحرم عليه أن يعطي فيها غير الجيد ، لأَن ما دون الجيد ربما كان أعم نفعا لكثرته ، أو لعظم خطره ، وأحسن موقعا من المسكين ، وممن أعطيه قربة إلى الله عز وجل من الجيد ، لقلته أو لصغر خطره وقلة جدوى نفعه على من أعطيه . وبمثل ما قلنا في ذلك قال جماعة أهل العلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سلمة بن علقمة ، عن محمد بن سيرين ، قال : سألت عبيدة عن هذه الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ قال : ذلك في الزكاة ، الدرهم الزائف أحب إلي من التمرة . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثنا سلمة بن علقمة ، عن محمد بن سيرين ، قال : سألت عبيدة عن ذلك ، فقال : إنما ذلك في الزكاة ، والدرهم الزائف أحب إلي من التمرة . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، قال : سألت عبيدة عن هذه الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ فقال عبيدة : إنما هذا في الواجب ، ولا بأس أن يتطوع الرجل بالتمرة ، والدرهم الزائف خير من التمرة . حدثني أبو السائب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن هشام ، عن ابن سيرين في قوله : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ قال : إنما هذا في الزكاة المفروضة ، فأما التطوع فلا بأس أن يتصدق الرجل بالدرهم الزائف ، والدرهم الزائف خير من التمرة . القول في تأويل قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ يعني بذلك جل ثناؤه : واعلموا أيها الناس أن الله عز وجل غني عن صدقاتكم وعن غيرها ، وإنما أمركم بها ، وفرضها في أموالكم ، رحمة منه لكم ليغني بها عائلكم ، ويقوي بها ضعيفكم ، ويجزل لكم عليها في الآخرة مثوبتكم ، لا من حاجة به فيها إليكم . ويعني بقوله : حَمِيدٌ أنه محمود عند خلقه بما أولاهم من نعمه ، وبسط لهم من فضله . كما : حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي ، قال : ثنا أبي ، عن أسباط ، عن السدي ،